من هو ديدون؟

ديدون

من الشمال تأتي العجائب
خيرات لم ير العالم مثلها، وأرض لا يجد لها التاريخ نظيراً، أرض النعيم، أرض الذهب. على أبوابها يقف ديدون؛ محى التاريخ من أين أتى وكيف ظهر، لكنه دائماً هناك، يحرس الأبواب، ويحمي الملوك، ويصون النعيم. لا تراه بعينك، لكنك تعلم بوجوده من رائحة البخور والمر التي تملأ أرجاء المكان

 

تلك كانت أنفاس ديدون، أسد الشمال، سيد البخور والثراء، حامي كوش
كانت مملكة كوش مركزاً للتجارة العالمية. من شمال المملكة جاءت راتنجات البخور الذهبية، وكانت أثمن من الفضة في العالم القديم. من مناجم الصحاري الشرقية جاء الذهب ببريقة الذي زيّن تيجان الملوك. ومن السافانا جاء الأبنوس والعاج والحيوانات الغريبة التي ملأت بلاط السلاطين. وكان ديدون دماء الحياة في كل هذا الثراء. سيد الموارد، واهب الوفرة، الإسم الذي كان مرادفاً للرخاء

 


خرج ديدون من ضباب التاريخ كأسطورة بلا جذور مكشوفة. صُوِّر على هيئة أسد، رمز كوش الأبدي وقوتها، لكنه لم يخضع لأي سلالة ولا لأي شجرة عائلة. والده لم يُذكر اسمه قط، والنصوص صامتة حيال ذلك. إنه الأسد اليتيم، الإله العصامي الذي نشأ بلا أصل معلوم، في رحم حضارة هي بنفسها مكتنفة بالغموض

 

وفي أقدم النقوش التي تذكره، نصوص الأهرام التي تعود إلى ما يقارب ستة آلاف وأربعمائة سنة قبل الميلاد يظهر ديدون في هيئة لا تشبه أي إله عُرف من قبل. لم يكن وحشاً مفترساً ولا إلهاً هائلاً؛ بل كان فتىً شديد الجمال، وسيماً، يافعاً. ذلك الجمال لم يكن مجرد صفة، بل كان جوهر هويته. ديدون لم يكن فحسب إله الثروة والبخور؛ كان تجسيداً للجمال والنضارة، الإله لذي يجلب البهجة ويملأ المعابد بالنور. في ثقافة قدّست الجمال كما قدّست الثروة، كان ديدون يمثل الكمال الشكلي والروحي معاً، كان وجه كوش الجميل

 

و في الصورة أدناه على الحائط الغربي لمعبد السمنة الذي نقل من وادي حلفا الى المتحف القومي في الخرطوم إثر بناء السد العالي، تتجلى تلك القوة في مشهد راسخ. يظهر ديدون في هيئة بشرية جالساً على عرش، مرتدياً غطاء رأس بسيطاً ولحية مستعارة ونقبة قصيرة وذيل ثور، كل علامات السلطة الإلهية. وأمامه يركع تحتمس الثالث، عظيم مصر القديمة، ملك أجنبي يطلب بركته. يد ديدون اليمنى تمتد لتلمس التاج الأبيض على رأس الملك (تاج الجنوب)، ويده اليسرى تستقر على كتفه في لفتة حماية وقوة

 

 

لم يكن ديدون إذن مجرد إله محلي؛ كان صانع ملوك. وفهم ملوك كوش في العصر النبتي هذا جيداً، فكرّسوا له المعابد وجعلوه قلب ديانتهم. في جبل البركل، وقف أوزيريس-ديدون في "معبد الأوقات السعيدة". إله الجمال والنعيم رفيقاً لإله العالم لسفلي، جسراً بين عالم الأحياء وعالم الأموات. بارك الحصاد، حمى القوافل، وجلب الثروة لكوش

 

اليوم، يظل صداه حياً في عبق اللبان المتناثر فوق صحاري السودان، وفي الذهب المدفون في أعماق أراضيه، وفي كل بخور يُشعل في بيوت السودانيين كل يوم. مثل عبق البخور بعد أن يخبو اللهب — يبقى، خافتاً، بعيد المنال، وحاضراً في كل شيء جميل في أرضنا


"رائحة ديدون فيك، الفتى الجميل الذي يقدم البخور الذي تبخّر به الآلهة"

نقش من نصوص الأهرام، حوالي 6400 سنة قبل الميلاد